هاشم معروف الحسني
108
سيرة المصطفى ( ص ) ( نظرة جديدة )
وخرج إلى حراء يفكر ويتأمل كعادته ، وينتظر ان يعود إليه الملك الذي جاءه أولا وبشره بالنبوة ، ثم انقطع عنه ، وبينما هو غارق في التفكير والتأمل ؛ وإذا بجبريل يطل عليه ويقول : يا محمد انك رسول اللّه حقا ، فارتاح لذلك وقرت نفسه ، وارتسمت على ثغره ابتسامة الرضا ، وافترت شفتاه عن معاني الشكر والحمد ، ولم يبق لما تولاه من الخوف والوجل من أن يكون اللّه قد قلاه وأعرض عنه ، لم يبق لكل ذلك من اثر في نفسه ، وما عليه إلا أن يعود لبيته في مكة ليخبر خديجة بذلك ويطمئن قلبها برجوع الوحي إليه بعد انقطاعه عنه زمنا طويلا تعرضت خلاله لبعض الهواجس والشكوك فيما كانت ترجوه لزوجها العظيم لا سيما بعد تلك البشائر التي زفها إليها ابن عمها ورقة بن نوفل . وترك ذلك النداء في نفسه أثرا طيبا وسرت عنه مخاوفه فأخلد للراحة وغلبه النوم ولم يكن يذوقه إلا لما أما خلال تلك المدة الطويلة ، فجلست إلى جانبه وأشفقت ان توقظه من نومه واخذها الحنان وهي تتأمل في وجهه الشريف وتمعن النظر إليه ، وفيما هي غارقة في بحر من الأفكار وإذا به قد اهتز واضطرب وثقل تنفسه وبلل العرق وجهه فاستيقظ من نومه ليستمع إلى الوحي يقول له : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ . وعظم عليها ما رأته من حاله ، فازدادت اشفاقا عليه وتوسلت إليه بضراعة ان يسلم نفسه لبعض الراحة ، فقال لها ، لقد انقضى يا خديجة عهد النوم والراحة ، فقد امرني ربي ان أنذر الناس وأدعوهم إلى اللّه وعبادته ، فمن ادعو ، ومن يستجيب لي ، فأجهدت نفسها ان تهون عليه وتشد من عزيمته ، وأعادت عليه حديث ابن عمها ورقة بن نوفل ، وأعلنت من وقتها اسلامها وإيمانها بدعوته ، وكان من الطبيعي ان تسارع إلى الايمان برسالته ، وقد أحصت عليه حياته كلها ، فما وجدت غير الأمانة والصدق وعلو النفس وحب الخير لجميع الناس ، ورأته في أيام تحنثه في حراء ، وبعد ان جاء الملك يبشره